
د . راشد الشاشاني
بات مفهوماً _ ولو بجزءٍ _ كيف نَفهم مشهد الحياة ، هذا الفهم الذي لا يرى في تقسيمٍ تقليدي للتناقض أو التضادّ ، ولا حتّى الواقع والخيال ، أو الحياة والموت .. أو غيرها من مفاهيم سادت عقل المفكّرين قبل غيرهم طريقاً لفهم الوجود .
هذا الفهم الذي يهمّنا بحدود تختلف باختلاف مواقعنا التي تحدّدها ظاهرة الوجود ذاتها ، كما تحدّد كذلك دور كلّ عنصر من العناصر المذكورة في تشكيل مشهدٍ ما ؛ يتعرّف عليه الإنسان ؛ عن طريق حوّاسه _ مع تحفّظنا على طريقة معرفته هذه باعتبارها من ” مسلّمات ” المفكّرين وتابعيهم ؛ التي لا نُقرّهم فيها ، كما لا نقرّ طريقة فهم غير الإنسان لهذا الوجود .
في هذا الارتباط بين الوجود وفَهمه ، ومعرفة الإنسان وغيره لهذا ؛ لا يمكن تجاوز ” أحاسيس ” بني البشر ، بما وراء أنظارهم _ بشكل رئيسيّ _ أو باقي حوّاسهم ، لن نخوض في مسائل معقّدة لا مجال لطرحها أمام العامّة ، لكنّنا سندير الانتباه إلى فهم مسألة يوميّة ، بل لحظيّة يُعايشها الإنسان _ كما غيره _ وهي مسألة الشعور ؛ أو رؤية ؛ أو حتّى التعامل مع الغائبين ، سواء أكانوا أحياءً أم أمواتا .
لا يُمكن لأحدكم إنكار ؛ أنّ كثيراً من قراراته التي تعكسها تحرّكاته أو تنعكس عليها ؛ هي وليدةث حالة الاتصال الروحي بينه وبين غائب حضرت له ذكرى معيّنة ، بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة ونوع العاطفة وما انتهت إليه ، إلّا أنّ محرّكا دار في سكون منطقة القرار عند ” صاحب اللحظة ” هذا . هذه اللحظة ليست فراغاً ولا عبثاً ، إنّها جزءٌ أساسيٌّ من تشكيل لوحة جزئيّة تشكل حياته وحياة من يشاركه هذا التلوين وهي بدورها جزء من لوحة أكبر.
المهمّ في هذه اللوحة _ علاوة على أنّها جزء من لوحة الحياة ؛ أنّها : مرسومة في تفاصيل حياة شركائها على أساسٍ من أصالة هذا الرسم ، بما يعني : أنّ سير الأحداث التي سبقت لحظة الذكرى هذه لم يكن قد تعرّض لحادثٍ مفاجئٍ أدار النتائج باتجاهٍ آخر _ هذا إذا اعتبرنا أنّ ما وصل إليه الحال الآن نتيجة _ فالنتائج لا تُحسم عند هذه الحدود .
انعطافة الأحداث هذه : هي واحدة من مراحل سيرها ، لم تطرأ على مجهول ، ولم تكن هي بذاتها مجهولة ، لكنّ ” رؤية ” صاحبها لها لم تكن واضحةً حتى ما قبل حدوثها ، بالطبع ؛ المقصود بالرؤيا هنا مفهومها العام ، الذي يدخل فيه كلّ ما يُوصله إلى إدراك حدوثها ، بما فيه الإحساس المُسبق .
في لحظة شعور ” صاحب اللحظة ” هنا تبدو جليّةً فكرة الحضور والغياب ؛ على أساسٍ من اندماجها الحركيّ ؛ الذي يعني عدم تناقضها ، وهو ما يقتضي أنّ الغياب فكرةٌ كالخيال ؛ هذا يعني أنّ الغائب لا يزال حاضراً معك ؛ لكنّ حضوره تغيّر ، لا لذاته ، بل لطبيعة إدراكك أنت له والذي تُحدّده ” خطوط ألوان اللّوحة ” .
ليست هذه وحدها نتيجة عمليّة لذلك ؛ فبالتلازم مع هذا : فإنّ الحضور كذلك لا يغيب هو باقٍ ؛ لكنّك لا تمرّ عليه سوى حين تلتقي مرحلة سير حياتك مع مرحلة سير حياة ” صاحب الذكرى ” ولو كان غير إنسان ، على أن لا تُفهم المرحلة باعتبارها زمناً يمرّ ، ويبدأ وينتهي ، بل هو حاضر في جميع “الأوقات ” مع الانتباه إلى أن لا يذهب تعبير ” الأوقات ” إلى أبعد من تحديدنا هذا .
في فهمٍ كهذا ؛ يمكنك فهم حضور شخص ميّت في لحظة شعورك به ، أو بحدثٍ كان له ارتباط في حدوثه ولو بطريقٍ غير مباشر ، كأن تعجز عن شراء منزلٍ باهظ الثمن ، لكنّك تذكّرت لحظتها أنّك فقدت فرصة كانت ستجني لك أضعاف ثمن هذا المنزل ؛ كان أحدهم سبباً في خسارتها ، تأكّد حينها : أنّ حضورك هذا في مشهد الحدث ” الماضي ” يُعيدك كما يُعيد ذات الشخص ؛ بل وكلّ من ارتبط بهذا المشهد ؛ من إنسان او غيره إلى لحظة ” الحدث القديم ” . ليس هذا مهمّا أو عمليّا ، الأمر يتعدّى كلام الفلسفة إلى فرض نطاق حدودي على كلّ عناصر المشهد التي ذكرناها ، بما يعني إقامة ” عدل الدنيا ” وبلوغ صاحب الطلب طلبه .
في تلك الصورة السابقة ؛ وعلاوة على فهمٍ عمليٍّ لتأنيب الضمير ، أو دفعه باتجاه الخير أو ثنيه عنه ودفعه للشر ، لا ينبغي لك أن تُدرك فوراً ومباشرة ” حكم الدنيا ” بل ما عليك فعله : هو تلقي التطمينات ؛ من أنّ أمرك ليس متروكاً ، لكنّه مشروط بتحرّك شجاعٍ منك ؛ بفعلٍ ” حركة ” أو بغيره ، حتّى ولو بمجرّد التذكر ، حتى تبقى يدك قابضة على المشهد تحرّكه كيفما منحتك الدنيا حركة فهي تُعاقب الساكت دوماً ؛ مهما كان موقعه .
مثل هذا التمثيل ينطبق على حالة الحبّ والمودّة و كلّ المشاعر التي يعرفها الإنسان ، وهي تفعل فعلها الواجب ، بما يليق ” بطلب اللحظة ” واستحقاق ” المشهد الأوّل ” .
تُظهر الصورة السابقة تساؤلاً حول فكرة السحر ؛ الذي يتّسع مصطلحهُ : إلى فكرة التعامل مع الجنّ ؛ التي نتحفّظ كثيراً على أصلها و تفاصيلها ووظيفتها ، وقد يطال في المجاز أو التصريح فكرة الجمال .
فإن عرضنا للفكرة الأولى : فهي لا تخرج عن صورة محاولة نفس ” قد تكون خبيثة وقد تكون بريئة ” لإدارة أحداث ” حياة ” شخص ما باتجاه ما . ببساطة نقول هنا : أنّ الاعتقاد بفكرة لوحة الحياة التي تحدّثنا عن جانب منها قبل قليل ؛ يُعفيكم من الخضوع لخوف التسلّط على أحدكم ولو بما يُحبّ ، فلا يمكن لشخص استعمال آخر ليسخّر ” الجنّ ” مع أو ضدّ رغبتك ، ما عليك فعله : هو التيقّن باستعمال ” لحظة الطلب ” التي تحدّثنا عنها حين تجلب أمام ناظريك من تريد .
أنت لست بحاجة لأحد وسيطا أو حليفاً ، لكن عليك أن لا تعبث بحقوق غيرك ، لحظة الطلب هذه قد تكون محمولةً على عاطفة الحبّ التي تريد منها الإلتقاء بحبيب قد لا يعلم أمر حبّك أصلاً ، لكنّك إن فعلت ما طُلب منك ” لحظة الطلب ” وصلت إليه ؛ ووصل إليك بذات الطريقة ، أمّا تمام الأمر كما تحبّ ؛ فَدَعهُ للأيّام التي قد تفعله وقد لا ، لكنّها ستريك بذات الطريقة ما فَعَلَت هي في أمرك ، الحياة لا تنسى ولا تُهمل ، تحفظ في سجلّاتها كلّ تفاصيلك ، وتراجع معك بهذه الطريقة متابعتها أمرك .
أمّا إن تجوّلنا قليلاً في سِحر الجمال ، الذي قد تعرضه لحظة إلتقاء فعليّ بجميلٍ ، أو ذكرى تجمع جماله أمام لحظة وقوفك عنده ، فالأمر لا يتعدّى كونه من محبّ أذهَلَهُ المشهد ؛ فَراحَ يلوذُ بجمالٍ آخر ؛ يُرضي به هذا الجمال ، وهنا يذهب المحبّ في رحلة ” الصعود ” نقول الصعود مجازا ؛ لأنّ فكرة الصعود والهبوط ذاتها لا تنفصل عن فكرتنا السابقة .
ومثل ذلك يفعل الحاسد ، لكنّه لا يذهب نحو الجمال لأجل الجميل ؛ بل يسعى إليه لذاته ، معتقداً بتفوّقه على هذا الجميل ” من جانب إنكار جماله ” ، لكنّ سعيه هذا ليس باتجاهٍ مباشرٍ نحو الجمال ، بل يُطلقه باتجاه بث قُبح الجميل ، فإن لم يستطع ؛ بَثَّ القُبح من حوله ؛ وهو بهذا يصنع القبح لذاته ، في صورةٍ كهذه ؛ يمكنك أيضاً أن ترى في اللوحةِ تمازجاٍ بين القُبح والجمال عند عناصرها كافّة .
ننهي بالقول : أنّ الصورتين الأخيرتين تعتمدان السرعة في تجميع عناصر تفاعلهما ، هذه السرعة التي تفوق ” لحظة العين ” وهي تهدف إلى مسح تاريخها كلّه ، وتبديله بحاضرٍ ليبدو وكأنّه ناتجٌ عن تاريخٍ ممتدّ ، ينبغي له _ وفق اعتقاد صاحبه _ أن ينسف صورته ، ويستعيض عنها بالصورة المرغوبة آنيّاً ؛ التي طالما رفَضها سابقاً أو رفض التعرّف عليها .
نذكّركم بعد هذا العرض ؛ بفكرة الامتداد الزمني ، وعناصر تشكيل اللوحة والتمازج ؛ التي تلتقي عند محاولة كلّ المخلوقات فهم ذاتها وغيرها وهي تسعى إلى التفاعل معها .




