
د . راشد الشاشاني
لا تقرّ نظريّتنا بفكرة البداية والنهاية إلّا من منطلق عجز الإنسان عن تفسير ظواهر الوجود ، وأوّلها : وجوده هو وليس آخرها موته . تعتقد نظريتّنا _ باختصار حيث لا مجال لشرحها – أن منشأ فكرة البداية والنهاية ؛ هو ذاته منشأ فكرة الكرويّة الأرضيّة وغيرها من أفكار الفضاء وتحت الأرض والغيب والعلم عموما ، مبنيّة على عجز الإنسان عن الوصول إلى فكرة مُقنعة ، ليس هذا ما نريد قوله .
إنّ منشأ كل هذه المجموعات المستندة في أًصلها إلى فكرة البداية ؛ التي حتّم أصحابها لها فكرة النهاية بغير حقّ او صواب ، هذا الأصل ، وما بني عليه ؛ وُلِد في مهد الديانات التي كانت تحكم معابدها رقاب الناس ، حين طُلب منها تفسير سطوة الحاكم ؛ الذي برّرها بأمر السماء ، نحن وإن كنّا نقرّ بوجود قوّة ما ؛ تُنصّبُ أحداً على أمر جماعته ؛ إلّا أنّنا نختلف تماماً و مع الجميع بلا استثناء في أصل هذه القوة ، وسبب فرضِها لأحد دون غيره ، لن نفصّل أكثر من ذلك .
بالعودة إلى حديثنا حول الحنين الذي لا ينفصل أبداً عن فكرة البداية ؛ و تعني بدورها : أنّ نهايةً ما قد وقعت فعلاً أو أنّها على وشك الوقوع ؛ بطبيعة الحال هذا هو الفهم السائد الذي لا يرى ما نراه ؛ حول فكرتنا في تمازج المراحل وتداخلها ؛ بالمعنى الذي ننسف فيه فكرَتي البداية والنهاية معاً ، كلّ الناس والمخلوقات كذلك يشعرون بالحنين للماضي ، الحنين للماضي لا يُنجبه إلّا الألم ، لأنّها –أي المخلوقات جميعاً – لا تحسّ بالفقد إلا حين تكون في حال سيّ .
الدليل على ذلك : أنّ الناس لا يستذكرون ماضيهم وهم في حالة الفرح ، وإن فعلو ذلك ؛ حينها تكون حالة الحزن قد داخلت عواطفهم ؛ التي كانت تنتظر شريكاً معهم في هذه الفرحة ، هذا الشريك قد يكون انسانا أو غيره ، قد يكون حدثا كذلك أو إنجازاً او حلماً ما.
ما نودّ تأكيده هو أنّ الناس يتعاملون مع المشاهد بطريقة التاريخ ، الذي يعني : ماضٍ كانت له بداية ، وماض آخر كانت له نهاية ، قد يكون ماضي النهاية قريبا من لحظة الحاضر لكنّه لا يغيّر في الأمر شيئا من ناحية الحنين ، تذكّروا أنّنا قلنا عن المشاعر أنّها – كما غيرها – كائن يولد وينمو ولم نقل أنّها تموت .
إذا حاول أحدكم العودة إلى ذات المشهد ، المكان ، الأشخاص ، أو أيّة تفاصيل من تلك التي ألهبَت مشاعر الحنين عنده ، فهو لا محالة سيجد مَرارةً شائكة عاناها سابقا ، لكنّه نسي وَخزات هذه الأشواك ، في مقابل تعامله مع فكرة التاريخ ؛ التي حوّلت له شوكَهُ إلى حلاوة ما عاد يمكنه التخلّي عن تذوّقها .
المرارة التي تشعر فيها منذ بدايتك ” منشأ الحنين ” بل قبلها – وفقا لرسائل التحذير التي وصلتك – لم تكن تحذيريّة مُخيفة فقط ، ليس هذا دورها ، إنّها تعمل على تهيئة مرحلة قادمة ؛ لا تُناسب في وجودها ، وجودك في هذا المكان ، نقصد المشهد عامّة ، فإن كان جميلاً أدارتك باجاهه وإن كان غيره حوَلتك عن ألمٍ أشدّ ، انتبهوا أن أحكاماً كهذه تسري في غير حالة العقاب .
ما عليك فعله لحظة تدفّق الحنين هو : تصوّر الحال في لحظتك الراهنة ؛ فيما لو لم تحدث تلك النهاية ، بل عليك أن تدقّق أكثر من ذلك ؛ في تمحيص سبب تلك البداية من الأصل ، ما دورها في خط سيرك كاملاً ؛ قُلنا مراراً أنّ الحياة لا تعبث ، تَعرِف ما تريد ، اربطوا هذا بما قلناه قبل قليل حول فرض ” السماء ” لقوّة الحاكم .
ألم تروا أنّ السجين يحنّ إلى زنزانته ؟
بلى ؛ يحدث هذا ، السجين لا يرى فيها أسراً حين يحنّ إليها ، إنّه يُدير شريط حياته في لحظة واحدة ، في إدارة الشريط هذا ؛ لاحظوا فكرة تمازج المراحل ووحدة الزمن ؛ التي لا تعني بدايةً أو نهاية ، ربّما كانت الدائرة ؛ ومن بعدها الكرويّة ؛ شكلاً سهلاً لإلصاق مثل هذه الصورة به ، تلك الكرويّة التي استلهمها ” المستفيدون من الأديان قديما ” ربّما من أشكال الفاكهة أو غيرها ؛ وجدوا فيها مهرباً للإجابة ، لكنّها ليست صورةً مثاليةً لهذا الهروب ، سيّما مع تحريم التدقيق في أفكارهم .
على أيّة حال ؛ هذا الإلتحام بين أشكال المخلوقات الأخرى ونشاط الإنسان ؛ لا يتوقّف عند شكل أفكاره ومشاعره ، ولا على تحديد زمانها ؛ بل يمتدّ إلى شكل وجوده وارتباطه بباقي الكون ، ما يعني أنّ مشاهد الإنسان بصورته المعروفة هذه : رأس ، شعر ، أذرع ، أقٌدام ..الخ ” لم تعد مقبولة في نظريّتنا دون ربطها بهذا التمازج مع الكون ؛ من حيث المساحة التي أتاحت للقدماء الربط بين أشكال أجزاء الكون ومدى امتداد فكره ومشاعره ، أذا أردنا أن نورد مثلاً توضيحيّاً على شكل الإنسان : يمكن تفسير ما قلناه في اختلاف رأي الناس حول شكل أحدهم ، ومستوى جمالِه ، بل حتّى طبيعة وحدود هذا الشكل ، أو بالأحرى شكل مكوّناته.
شعور الخديعة هذا ؛ الذي ينتهي إليه كلّ الناس ، هو سبب آلامهم ، وهي _ أي آلامهم _ حنينهم إلى العودة للماضي ، لكنّهم يريدون حتماً تغيير طريق السير فيه ، أكثر ما يؤلمهم هو : سيطرة أناس على سيرهم ، حنينهم يساوي ندمهم على تصديق ما كان يجب أن لا يصدّقوه ، لم يرو حياتهم مراحل متداخلة ، بل خطّاً للسير يبدأ وينتهي ، لم يفعلوا شيئا سوى الوقوع في الخديعة .
الحنين للألم ليس سوى نظرة جاهلة لمسار الحياة ، لا تعرف هذه النظرة أنّ الحضور والغياب ليس مفهوماً تقليديّا ، على أن لا تنسوا وأنتم تفكّرون في ذلك ؛ حديثنا السابق عن غيبوبة الذات ؛ التي تنقل الانسان من مرحلة إلى أخرى داخل كيانه ذاته ؛ وهو يسعى إلى الهروب من ألم ليعود بعد ذلك إلى الحنين إليه ، يكفي أن نقول : يحدث هذا بمجرد سماع أغنية او حتّى كلمة .
اذاً ؛ تعاملوا مع المشهد كأنّه حاضر ، وانتبهوا إلى الألم لحظة شعرتم به حينها ، اسحبوا شعوره فوق أرواحكم ، سوف تهدأوا من فوركم وتتخذوا ذات القرارات وتغادروا ألمكم أقوياء . استعملوا هذا التكتيك من أجل قوّتكم ، لا ضعفكم .
بعد عملية قتال الألم هذه ؛ سوف يزول فارق الزمن بينكم وبينه ، بحيث يُفقد هذا الزوال أثر امتداد الخسائر ، أو تلك التي تظنّونها تراكماً لها ؛ و أنتم تجرون حسابات ” ما ذا لو لم يحدث كذا ” لتُدركوا أنّكم قد ربحتم أكثر بكثير مما خسرتم ، بل كانت تلك ” الخسارة المؤلمة ” صفقة رابحة حصَدتم او ستحصدون ربحها قريباً .
هذا يعني أنّكم أمام بداية جديدة ” بمفهومكم للبداية ” ما يعني بالضرورة أنّ النهاية لم تأتِ بعد ؛ لأنّ المسير لا زال مستمرّاً ؛ فأنتم لا زلتم في تلك اللحظة ” القديمة ” في نظركم ؛ تداخل البدايات والنهايات هذا : ليس له بداية ، وليس له نهاية ؛ ما يعني بالضرورة أن جولة الربح عند ” غرمائكم لم تكتمل ” وأن مشوار غدرهم انقطع فجأة ، أقطعوا طرقهم ، وألحقوا بهم الخسارة ؛ بسلاحنا هذا .




