
احمد زينهم
من يراقبك خلف شاشتك؟ القصة الكاملة لتحولنا من مستخدمين إلى وقود للذكاء الاصطناعي!
إذا عُدنا بالذاكرة إلى تسعينيات القرن الماضي أو بدايات الألفية في مصر، سنتذكر تلك الغرفة السحرية في بعض البيوت أو المدارس التي كانت تسمى “أوضة الكمبيوتر”، كان هناك جهاز ضخم، شاشته أشبه بالتلفزيون القديم، ويصدر صوتاً مرتفعاً عند تشغيله.
في ذلك الوقت، كانت علاقتنا بالتقنية بسيطة: أداة نستخدمها لساعة أو ساعتين في العمليات الحسابيه، أو كتابة نص، أو العاب بسيطة، ثم نغلق الباب ونعود لحياتنا الواقعية.
ولكن اليوم تبدل المشهد تماماً لم تعد التكنولوجيا حبيسة غرف أو مكاتب، بل انتقلت لتصبح ملاصقة لنا داخل جيوبنا وعبر الهواتف الذكية لا تفارقنا، والأخطر من ذلك، أنها تسللت إلى داخل عقولنا وأسلوب تفكيرنا، ما بدأ كأداة لمساعدة الإنسان تحول إلى منظومة عالمية تتحكم في خياراتنا، وتوجه سلوكنا دون أن نشعر.
رحلة الآلة: كيف تحولت القوة من “النفط” إلى “البيانات”؟
على مر التاريخ البشري، كانت “السلطة والنفوذ” تتغير بتغير الموارد. في العصور القديمة، كان من يملك الأرض والجيوش هو الأقوى، مع الثورة الصناعية، انتقلت القوة لمن يملك المصانع والآلات. وفي القرن العشرين، أصبح النفط هو المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي والسياسة الدولية.

أما اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فقد ظهر ملك جديد يتربع على عرش القوة: البيانات والمعلومات.
كيف بدأ الأمر؟
الحاسوب والتحول الرقمي (منتصف القرن العشرين): عندما ظهر الكمبيوتر لأول مرة، صُمم لأغراض عسكرية وعلمية بحتة، كان آلة باهظة الثمن ونخبوية جداً، العبقرية لم تكن في حجم الجهاز، بل في فكرة مذهلة: إمكانية تحويل أي معلومة بشرية إلى أرقام (بيانات رقمية) يمكن تخزينها ومعالجتها ونقلها، تحولت الورقة المكتوبة في ملف حكومي أو بنكي إلى رمز رقمي سريع المعالجة.
الإنترنت.. عندما تكلمت الحواسيب (مشروع ARPANET): بعد أن كان كل جهاز حاسوب يعمل منفرداً، ظهرت الفكرة الأكثر جرأة: ماذا لو جعلنا هذه الأجهزة تتواصل مع بعضها؟ هنا ولد الإنترنت في سياق عسكري وأكاديمي أمريكي عبر مشروع شهير يُدعى ARPANET، مدعوماً ببروتوكولات تقنية مثل TCP/IP (بحسب وثائق جمعية الإنترنت Internet Society). الهدف كان حماية البيانات وتبادلها حتى لو تعرضت بعض الأجهزة للأعطال.
الويب (WWW).. البوابة المفتوحة للجميع: يخلط الكثيرون بين الإنترنت والويب. لتبسيط الأمر: الإنترنت هو “شبكة الكابلات والأسلاك والمواسير الممتدة تحت المحيطات وفي الأرض”، أما الويب (World Wide Web) فهو “الواجهة المكتبية والشاشات والروابط” التي نتصفحها، اخترع العالم تيم بيرنرز لي الويب عام 1989 أثناء عمله في منظمة CERN للأبحاث النووية، هذه اللحظة نقلت التقنية من فضاء غامض للمتخصصين إلى مكتبة عالمية مفتوحة لكل البشر بنقرة زر واحدة.
الفخ الرقمي الجميل: لماذا تم بيعنا للذكاء الاصطناعي دون أن نشعر؟
الـ Social Media وولادة “اقتصاد الانتباه”
ومع التطور، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إكس، تيك توك، إنستغرام)، وهنا حدثت النقلة المرعبة في سلوك البشر، في السابق، كنت تدخل على الإنترنت لتقرأ معلومة أو تبحث عن موضوع، أي أنك مستهلك، مع السوشيال ميديا، أصبحت أنت المنتج للمحتوى؛ تكتب بوست، ترفع صورة، تعلق، وتشارك.
ولكن، ما الذي تأخذه هذه الشركات في مقابل هذه الخدمة المجانية؟ إنها تأخذ أثمن ما تملك: انتباهك وبياناتك.
هنا ولد ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه” (Attention Economy). في هذا الاقتصاد، رأس المال هو “عدد الدقائق والساعات التي تقضيها وأنت تنظر إلى الشاشة”، الخوارزميات مصممة بدقة شديدة لتدرس تفاعلاتك:
• كم ثانية توقفت لتشاهد هذا الفيديو؟
• ما الذي يجعلك تضغط على زر “أغضبني” أو “أعجبني”؟
• ما هي الكلمات التي تبحث عنها؟
كل ثانية تقضيها يتم تحويلها إلى مساحة إعلانية مدفوعة الأجر للشركة، وكل تفاعل يبني عنك ملفاً شخصياً يتوقع سلوكك القادم بدقة، لقد تحولت المنصات من أدوات ترفيهية إلى أدوات قوية لتوجيه الرأي العام، وبناء السمعة، والتأثير السياسي، بل والتحكم في حالتك المزاجية والنفسية دون أن تشعر.
الجانب المضيء.. التكنولوجيا ليست شراً مطلقاً
حتى نكون منصفين وعقلانيين، المشكلة ليست في التكنولوجيا كأداة، بل في طريقة إدارتها واحتكارها، للثورة الرقمية وجه مضيء غير حياة الملايين في مصر والعالم:
• التعليم والعمل: أصبح بالإمكان لشاب في الصعيد أو الدلتا أن يتعلم برمجيات وكورسات من أكبر جامعات العالم عبر الإنترنت، أو يعمل “فريلانسر” مع شركات في الخليج أو أوروبا وهو في غرفته.
• المشروعات الصغيرة: فتحت الأسواق أمام ربات البيوت وأصحاب الحرف اليدوية لبيع منتجاتهم عبر منصات رقمية دون الحاجة لامتلاك متاجر ضخمة وباهظة الثمن.
• الخدمات الرقمية: سهلت التقنية المعاملات البنكية، وتطبيقات الدفع الإلكتروني (مثل إنستا باي ومحفظة الهاتف المحمول)، والخدمات الحكومية الرقمية التي وفرت الوقت والجهد على المواطن.
الخلاصة التكنولوجيا مثل “المشرط الحاد “؛ في يد الجراح ينقذ حياة إنسان، وفي يد المجرم يصبح أداة للجريمة، السؤال الحقيقي ليس هل هي مفيدة، بل من يملك خيوط اللعبة ويتحكم في بياناتنا؟ هذا ما سنتناول تفاصيله في الجزء الثاني حول “الاستعمار الرقمي” والذكاء الاصطناعي.
الدكتور/ رامي يسرى محمد، دكتوراه فى التحول الرقمى والامن السيبرانى، خبير واستشارى تكنولوجيا معلومات ( تحول رقمى – ذكاء اصطناعي – امن سيبرانى ، مدرب دولى ومستشار تدريبى معتمد من كامبريج البريطانية.




