
احمد زينهم
بين الجبال والسهول والصحارى، حيث تتنوع تضاريس الجزيرة العربية وتختبئ تفاصيل بيئية قد لا يلتفت إليها كثيرون، اختار الرحّال والباحث المهتم بالنباتات البرية عبدالله منصور البراك، المعروف بـ«أبو منصور»، أن يجعل من الطبيعة ميدانًا دائمًا للبحث والاكتشاف.
وتتشكل تجربة البراك من مجموعة واسعة من الاهتمامات التي تجمع بين الرحلات البرية والنباتات والأحافير والكهوف والبيئة الصحراوية، إلى جانب اهتمام خاص بالنحل والعسل والأسماء العربية القديمة للنباتات. وهي اهتمامات جعلت رحلاته تتجاوز فكرة التنقل والترفيه، لتتحول إلى فرصة للتعرف على تفاصيل البيئة وتوثيق بعض ما تحمله من أسرار.
يحتل عالم النباتات البرية مساحة بارزة في تجربة عبدالله البراك، إذ يهتم بالتعرف على الأنواع النباتية في مواقعها الطبيعية، ومتابعة النباتات النادرة، والتعرف على خصائصها والأسماء التي عُرفت بها في البيئات العربية قديمًا.
ولا تأتي هذه المعرفة من الكتب وحدها، وإنما ترتبط لديه بالتجربة الميدانية والاحتكاك المباشر بالطبيعة. فخلال الرحلات، تصبح النبتة جزءًا من قصة المكان، وقد تقود معرفة اسمها أو خصائصها إلى التعرف على جانب من تاريخ المنطقة وعلاقة الإنسان القديم بها.
ومن بين النباتات التي ارتبط بها اهتمامه نبات «الروثة»، حيث شارك في عمليات بحث ميدانية للوصول إلى مواقع وجوده، مستندًا إلى معرفة سابقة وذكريات مرتبطة بالبيئة التي عرفها منذ سنوات مبكرة من حياته.
وتكشف مثل هذه التجارب عن جانب مختلف من الرحلات البرية؛ فالمسافر لا يبحث فقط عن الطريق والمناظر الطبيعية، وإنما يبحث كذلك عن تفاصيل صغيرة قد لا يراها العابر العادي.
بالنسبة إلى أبو منصور، تبدو الصحراء مساحة مليئة بالحياة والمعلومات. فالنباتات، والكهوف، والجبال، والأحافير، ومصادر المياه، والحياة الفطرية، كلها أجزاء من منظومة طبيعية واحدة.
وخلال مشاركاته في رحلات مع مجموعات من الرحالة، برز اهتمامه بتعريف المشاركين بأنواع النباتات التي تظهر في المواقع التي يزورونها، وشرح الفروق بين النباتات بحسب طبيعة المكان والظروف البيئية المحيطة بها.
وتمنح هذه المعرفة الرحلات البرية بعدًا تعليميًا، إذ يتحول الطريق إلى مساحة لاكتساب المعلومات، وتصبح كل منطقة فرصة لاكتشاف شيء جديد.
ومن أكثر الجوانب إثارة في تجربة عبدالله البراك اهتمامه بالكهوف والاستكشاف. وقد تحدث خلال ظهوره في بودكاست «شغلة» عن تجربة انعزال داخل الكهوف استمرت، بحسب ما ورد في الحلقة، نحو شهرين ونصف الشهر.
وتكشف هذه التجربة عن طبيعة العلاقة التي تربط البراك بالمناطق البرية، ورغبته في خوض تجارب استكشافية بعيدة عن النمط التقليدي للحياة اليومية.
كما تناول خلال ظهوره الإعلامي عددًا من التجارب المرتبطة بالنباتات البرية، من بينها تعرضه لتسمم بعد لمس نبات بري سام، وهو ما قاده إلى الحديث عن أهمية معرفة النباتات وعدم التعامل معها بصورة عشوائية، خصوصًا أن الطبيعة تضم أنواعًا مختلفة قد تحمل فوائد أو مخاطر بحسب خصائصها.
لا تتوقف اهتمامات البراك عند حدود علم النباتات، بل تمتد إلى الأحافير والتكوينات الطبيعية والكهوف والبيئة الصحراوية، ويظهر هذا الجانب في المحتوى الذي يقدمه عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتناول موضوعات مرتبطة بالبيئة والأحافير، ومن بينها الخشب المتحجر، إلى جانب اهتمامه بالمناطق التي تكشف عن تاريخ طبيعي وجيولوجي طويل.
وهنا تتسع صورة الرحّال؛ فالأرض بالنسبة إليه ليست فقط مكانًا للنبات والحياة، وإنما سجل طبيعي يحمل آثارًا من عصور مختلفة، ويمكن للأحافير والتكوينات الصخرية أن تقدم إشارات إلى تاريخ المكان والبيئة التي مرت عليه.
ومن الاهتمامات الأخرى التي تظهر في تجربة أبو منصور عالم النحل والعسل، وهو اهتمام ينسجم مع نظرته الأوسع إلى الطبيعة بوصفها منظومة مترابطة.
فالنباتات التي يبحث عنها في البرية ترتبط بدورها بالحشرات والكائنات التي تعيش حولها، ومن بينها النحل، ما يجعل الاهتمام بالنباتات امتدادًا طبيعيًا للاهتمام بالحياة البيئية المحيطة بها.
وهذه النظرة الشاملة تجعل تجربة البراك مختلفة عن مجرد جمع المعلومات عن نوع نباتي بعينه، إذ يبدو اهتمامه مرتبطًا بالمكان بكل ما يحتويه من عناصر طبيعية.
ومن أبرز الجوانب التي تستحق التوقف في تجربة عبدالله البراك اهتمامه بالأسماء العربية القديمة للنباتات، فالنباتات البرية في الجزيرة العربية لم تكن مجرد أنواع طبيعية، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية للإنسان، ولذلك ارتبطت بأسماء محلية وعربية تناقلتها الأجيال، وأصبحت بعض هذه الأسماء اليوم أقل تداولًا مع تغير أنماط الحياة وابتعاد كثير من الناس عن البيئات البرية.
ومن هنا تبرز أهمية حفظ هذه الأسماء والمعارف المرتبطة بها، لأنها تمثل جانبًا من الذاكرة الثقافية والبيئية للمجتمعات التي عاشت بالقرب من الصحراء والجبال والسهول، ويأتي التوثيق الميداني ليمنح هذه المعرفة فرصة للاستمرار، خصوصًا عندما تنتقل من جيل إلى آخر من خلال الرحلات والصور والمحتوى الرقمي.
يمكن النظر إلى تجربة أبو منصور باعتبارها رحلة مستمرة في التعلم. فالطريق بالنسبة له لا ينتهي عند الوصول إلى الوجهة، وإنما يبدأ معه سؤال جديد: ما هذه النبتة؟ كيف ظهرت هنا؟ ما اسمها القديم؟ وما علاقتها بالبيئة المحيطة؟
وتتحول الجبال والكهوف والصحارى إلى مساحات مفتوحة للبحث، بينما تصبح الرحلة وسيلة للتعرف على تفاصيل قد لا تظهر إلا لمن يملك الوقت والصبر والاهتمام.
وقد شارك البراك في رحلات برية داخل الجزيرة العربية مع مجموعات من الرحالة، مستفيدًا من خبرته في النباتات البرية ومعرفته بالتضاريس والظواهر الطبيعية التي تصادف المشاركين أثناء رحلاتهم.
ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد تجارب الرحالة والباحثين في الطبيعة محصورة في الأشخاص الذين يرافقونهم خلال الرحلات، بل أصبح بإمكان جمهور واسع متابعة جانب من هذه التجارب عبر الصور والمقاطع والمحتوى التوثيقي.
ويظهر عبدالله البراك عبر حساباته في مواقع التواصل، ومن بينها حسابه على سناب شات باسم «عبدالله البراك (ابومنصور)»، من خلال محتوى يرتبط بالنباتات والأحافير والطبيعة والرحلات.
ويمثل هذا الحضور الرقمي امتدادًا للتجربة الميدانية، إذ تنتقل المشاهد والمعلومات من مواقعها الطبيعية إلى جمهور أوسع، وتصبح الرحلة البرية مادة يمكن للآخرين مشاهدتها والتعرف من خلالها على جوانب من البيئة السعودية.
في النهاية، تبدو تجربة عبدالله منصور البراك قائمة على علاقة مستمرة مع الطبيعة؛ علاقة تجمع بين الرحلة والملاحظة والبحث والاستكشاف.
فمن النباتات البرية النادرة وأسمائها القديمة، إلى الكهوف والأحافير والنحل والعسل، تتعدد اهتماماته، لكن يجمع بينها خيط واحد يتمثل في الرغبة في الاقتراب من الطبيعة وفهم تفاصيلها.
وفي عالم تتغير فيه أنماط الحياة بسرعة، تصبح المحافظة على بعض المعارف المرتبطة بالبيئة والنباتات والأسماء المتوارثة جزءًا من توثيق ذاكرة المكان.
وهكذا يواصل «أبو منصور» رحلاته بين تضاريس الجزيرة العربية، باحثًا عن نبتة قديمة، أو اسم منسي، أو أثر طبيعي، أو قصة جديدة تختبئ في أحد الكهوف أو بين الصخور، لتبقى الطبيعة بالنسبة إليه كتابًا مفتوحًا، وكل رحلة صفحة جديدة منه.







