كي لا يُفاجأ أحدكم بما نقول ؛ يجب علينا أوّلاً : تثبيت مسألة استخدام مصطلح ” الوهم ” وفقا للفهوم السائد ؛ تسهيلاً لتحقيق منشود هذه الكلمات ، وعلى اعتبار أنّ نظّريّتنا لا تقرّ مفهوماً للوهم ، ولا حيّزاً له وفقا للسائد . يبدو تثبيتنا للمصطلح ؛ مع التنويه إلى عدم إقرارنا بماهيّته ؛ مدخلاً مناسباً للحديث عن محرّماتٍ اعتاد الإنسان التزام حدودها .
ليست قاصرة هذه المحرّمات على مسائل الديانات ؛ بل تمتدّ إلى كافّة المسائل التي يمكن للإنسان تخيّلها وهو يتعامل مع ” مُصَدّقاتها ” يوميّاً ، بل تُقرّر هي عنه مسارات حياته ، وفقا لتثبيت هذه المسارات في عقله ، الذي استولت عليه آليّة ” الثوابت أو لا يجوز” التي لا تملك من ثبوتها سوى تراكم الخوف من مخالفتها ، لقد تحدّثنا في مقالتنا السابقة عن مَنشأ فكرة كرويّة الأرض ؛ لن نعيد مثالنا لكنّنا نورد ذلك مثلاً على الخوف من مخالفة فكرة كهذه .
الجديد في حديثنا : هو أنّ هذا الخوف من مخالفة الفكرة بُني أساساً على فكرة خائفة بذاتها ، وهي التي تحدّثنا فيها عن قداسة الإخراج السينمائي ” أو ” العرض المقدّس ” لفكرة وُضعت ” لتسود وتَقهَر ” لا ” لتنفع ” .
هذا الخوف المتراكم ، المُقترن بطول العهد ؛ بات _ فوق الخشية من تبعات مغايرَة هَواه _ مساراً حتميّاً لكل طلّاب المعرفة والسائرين في مسالكها على اختلاف مستوياتهم وأهدافهم .
ما يميّز الصورة التي نتحدّث عنها : هو تلك القيود التي تفرضها مسارات ” إرهاب ورعب الصِدام ” بحيث باتت هذه القيود تشكّل مدارس وأقساماً “علميّة ” لا يكون علماً _ وفقا لهذه التعاليم _ ما يخالفها . وهنا نعود لنؤكّد تناقض نظريّتنا في تحديد ما يُعدّ علماً من غيره وفقا للسائد .
لنضرب مثلًا توضيحيّا : فكرة الصعود إلى سطح القمر ، التي لا نصدّق كثيراً من تفاصيلها ؛ بُنيت على أساس من نظريّات شكل الأرض ، القمر ، الشمس … الخ وحركة كلٍّ منها ، انتبه أنّهم يقرّرون فوق ذلك أنّها جميعا تتحرّك وتدور وتُنتج ظواهر عدّة وغير ذلك ، في حين لا نقرّ مثل هذه ” الحقائق ” التي قلنا أنّ نشأتها لم تكن سوى ردّة فعل خائفة من مخالفة أصحاب الديانات وانقلاب الناس عليهم .
سنقتصر في عرض سذاجة بعض أفكار الفضاء ؛ بإشغال الناس بالإجابة على تساؤلٍ مفاده : هل يستطيع أحد أن يصل إلى مكان يرى فيه ” ويصوّر لنا شكل وحركة الكواكب ” كي يمكننا التعامل بعد ذلك مع هذه الصور وما يمكن استنتاجه منها ؟
بالتأكيد لا ؛ لكنّ مسؤوليّة من يخالف أفكاراً تفرضها مؤسّسات عاملة في شأنٍ كهذا ومعها أشخاصها تفوق قدرة الناس ؛ الذين يجدون في التسليم معبراً آمناً نحو متابعة مصالحهم بغضّ النظر عنها .
من يريد مخالفة ذلك مثلاً : عليه أن يبيني مؤسّسة ضخمة ويستخدم فيها من المعدّات ما يفوق موازنات الدول وعليه أن يقع تحت سطوة قوانين دول ، هذه كلّها تجعل مستحيلا ” العبث ” في شأن كهذا ، هذه الصورة يمكن سحبها على كلّ ما سواها والأهمّ : هو سحبها على الماضي والبعيد خاصّة .
هناك مثلٌ يبدو أكثر تفاعلاً مع حياة الناس اليوميّة ؛ فإذا أخذنا علم تفسير الأحلام ؛ لوجدنا أنّ هناك من يفسّر بعض ” رسائل النوم ” التي تصل إلى الناس في أحلامهم بأنّها أضغاث أحلام ؛ على اعتبار أنّ أضغاث الأحلام _ لا أعرف ما فائدة التسمية _ لا قيمة لها ، فيما لا نرى في أيٍّ من رسائل النوم ما لا قيمة له ، لقد قرّر من عجز عن تفسير منام ما في ظلّ حكم ديانة ما _ بغضّ النظر عن المكان والمناسبة _ أنّ جِهله ؛ الذي أزاحه من أمام رؤية المراقبين ؛ بستارٍ ابتِدِعِهُ ، كما ابتدع غيره فكرة كرويّة الأرض وصعود القمر وغيرها .
هذه صورة مثلا لمن لا يملك علماً يدّعي فيه بلوغه مستوى متقدّماً حتى ، لقد غاب عن هؤلاء أن تفسير الأحلام علم ذو طبيعة خاصّة لا يملكه أحد إلا بطبيعته ، بمعنى أنّه ليس علماً يُدرِسُ أو يُدرّس ، كما أنّ ليس له قواعد يمكن لأحد الإستناد إليها ، أنّه هبةٌ او ميزةٌ لصاحبه فقط ، وكلّ ما سيق في قواعده لم يكن سوى تسلّقا لمصلحة ما.
مع تجمهر الناس حول أمانِهم ؛ بتصديق مثل هذه الكذبات ، بُني في نفوسهم حصنا من ” الأوهام ” لم يعد يمكنهم معه مخالفتها ، وإن حاولوا أحياناً التخلّص من هذه السطوة ، إلّا أنّ حسابات الربح أو تقليل الخسارة تطغى في معادلتهم تلك .
لا تنتهي هذه الصورة المركّبة من ” تسلّق المصالح فوق تسلّق الأوهام ” عادةً في وقتٍ قصير ؛ بفعل آلية تركيبها ؛ التي تقطع كلّ محاولات وقفِ نُموِّها ، ما يعني : أنّ عُلوّا شاهقاً سوف يخيّم فوق فِكرِ مجموعاتٍ ضخمة من الناس ، لكنّ الناس يغفلون عن استناد هذا العلوّ على ” رأس دبّوس ” او بصورة أوضح على ظهر حوت أو سلحفاة ، ما إن يتحرّك هذا الحوت ، الذي يضمن للبناء مساحة من العلوّ وزمناً من السيادة ؛ حتّى ينهار في لحظةٍ كلُّ ما يعلوه .
لكن ؛ تبقى فكرة ” الدبّوس ” هي سيّدة مشهد التقلّبات ؛ الحوت لن يتحرّك من تلقاء ذاته ؛ قد تُثقل حمولته هذه الحركة ؛ وقد يسيطر عليها قوّة ما ، لكنّ ” الدبوس ” الذي يعني ضربة في ” مرمى غير متوقّع ” من ” ضارب ” غير متوقّع يكفِلُها ويَكفَلُه الزمان ؛ بطبيعته التي تأبى سيادةٍ أبديّة .
وَخزَةُ الحوت ؛ التي يغفل عنها الجميع إلّا فاعِلُها ؛ قد يتعدّى وصفها ب : المعجزة ، الزمان ، الكارثة ، المُخلّص ، المُنتظر … الخ ، لكنّها سُنّة لا تتخلّف ، تُرتّب قدومها كلّ تفاصيل ” العلوّ ” التي بناها شَدُّها بعضها ببعض ؛ حتّى افتقدت ” ليونة التحرّك ” فوق مركبّات نظام الكون ؛ بما يُقصيها عن فلسفة عقابه ، فتقع تحت شرّ هذا العقاب باستحقاق أوان ردّ الحقوق ، من مشهد كهذا يمكن لأصحاب فكرة ” العالم العادل ” أن يروا نظريّتهم من زاوية أخرى .
لن يفوتنا قبل أن نهاية حديثنا أن نذكر مثالاً من “عقر دار العلم ” ؛ يعتبر البحث العلمي الموافق لشروط النشر في المجلّات العلميّة موافقاً للأصول اذا احتوى مثلاً : على أحدث الأبحاث المتخصّصة في الموضوع ؛ ما يعني : أنّ البحت بطبيعته الحتميّة يجب أن يستند إلى ما قيل في موضوعه وإلّا كان ” مجرد حديث ” وفقاً للسائد ، أيّ أن البحث وفقا لهذا التحديد لا يعدو أن يكون ترديداً لما قيل ؛ بغضّ النظر عن صحة أو منشأ ما قيل .
هذه الوضعيّة ؛ تسمح لجميع الناس أن يكونوا باحثين ويُطلق عليهم لقب ” العلماء ” وهو أمر لا تقرّه الطبيعة ؛ العالم هو من يخلق ما لم يوجد ؛ أمّا مَن يَصِفُهُ بِجَمعِ خَواصِّه ؛ فهو غير ذلك ، لهذا ؛ تجد أنّ ما يُقدّم على أنّه جديد لا يستند إلى الأبحاث “الدارجة ” يدخل في أحد تصنيفين : فإمّا أن يوصف بالجنون أو الخيال ، أو أن يوصف بالهراء .
هذه المؤسّسة الحاضرة في فكرة العلوم كلّها وأبحاثها معها ، ومؤسّساتها وهيئاتها هي من تفعل ذلك ، تسمح للجميع كي يضيع الجميع .




