عاجلعربمقالات

حِيَل واشنطن في الدورة ال 81 للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة

 

د . راشد الشاشاني

مع تقريرنا بأنّ الفائدة العمليّة للأمم المتحدة تكمن في تأمين وظائف رفيعة المستوى ، برواتب يكفى أحدها لإطعام مخيّم كامل من أولئك الذين تزعم حمايتهم من الجرحى ، المرضى ، الجوعى المضطهدين …الخ الذين أوصلتهم سطوة ممثلي بعض الدول على شؤون الحكم فيها إلى ما وصلوا إليه ، دون أن تقدّم لهم المنظّمة الأمميّة سوى الإعتذار بعدم الإختصاص في كلّ مرّة تأكلهم فيها ” كلاب الظلم ” لكنّ دولة كالولايات المتّحدة لن تفوّت فرصة اجتماعها ؛ في ظلّ ظرفٍ متأزّمٍ ، كالذي تمرّ به إدارة ترمب ؛ دون تقليب عوامل المَكر تحت مقاعد الحاضرين ؛ سيّما فيما يتعلّق بأزمة الشرق الأوسط ؛ التي ستطغى على المشهد .

في الصراع بين الولايات المتحدة وفرنسا حول دور الأخيرة في المنطقة ، الذي تسعى من خلاله واشنطن إلى تحييد أيّة قوّة تمنع تحكّم ” مكائد ” ترمب في التهوّر الإسرائيلي ؛ وتوليف حركاته باتجاه تحريك الأحداث وفقاً لتكتيك ” التعاكس ” برزت هذه الحاجة أكثر ؛ بعد موقف فرنسا الذي شاركت فيه بريطانيا وألمانيا وكندا بخصوص مستوطنات الضفّة الغربيّة ؛ التي من شأنها عرقلة الحديث عن دولة فلسطينيّة ، بالإضافة إلى مسألة قوّات اليونيفيل أو من سيحلّ محلّها في لبنان ، وتصاعد التوتّر اليمني والسوداني الذي تُتّهم فيه الولايات المتحدة بالانحياز إلى جانب قوّات الدعم السريع ، يرى ترمب في اتخاذ إجراء وقائي ضدّ مخاوف كهذه ، قبل أن تصل حدّ المواجهة بين واشنطن والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أمراً ملحّاً .

كان واضحاً من تصرّفات ترمب السابقة لهذا التشكيل ؛ اهتمامه بمحاولة إلهاء إيران ؛ بطريقة لا يمكنها الإنتباه نحوها كسابق عهدها ، فمن صفقة F-35 مع السعوديّة ، وما رافقها من تسريبات حول صفقة مع رئيس وزراء العراق ؛ بخصوص تفاهمٍ بين هذا الأخير والفصائل التابعة لإيران ؛ تقضي بعدم تسليم سلاحها ، في مقابل تعهّدٍ بعدم استهداف مصالح أمريكيّة ، يبدو أنّ لقاء الزيدي الثاني بترمب على هامش اجتماعات هذه الدورة سيكون درّة تاج تفاصيله .

ليست هذه الشواهد وحيدة ، إليكم منع الوفد الفلسطيني من دخول الولايات المتحدة للمرّة الثانية مثالاً ، تظهر أهميّته ؛ حين يُقارن ذلك بالسماح لعدد محدودٍ ضمن قيود مُشدّدة للوفد الإيراني بالحضور . هذا يعني : أنّ ترمب أراد قطع طريق تسليط الضوء من جهة إسرائيل أو صوبها ، وما ينبغي عليها فعله ، والإستدارة إلى إيران ؛ وما تُلقيه عليها التزاماتها الدوليّة ، عند هذه المسألة تُفسّر زيارة نتنياهو القصيرة .

لكنّ ترمب لا يريد لهذا الانتشار أن يطفو فوق سطح أثير اجتماعات المنظّمة الدوليّة ؛ حتى يسهل عليه تمرير أزمة تجاوز مأزق المضيقين ؛ وما تقتضيه الأزمة من تراجع أمام مصالح دول العالم ؛ الذي اختنق أو كاد يفعل فيها.

يريد ترمب توفيق ” رأسين على مخدّة حيله ” بين إيران وكلّ دولة على حده ، سيّما من دول المنطقة ؛ التي أرعبها من جهة بتصريحاته الأخيرة حول ضرب إيران ، في ذات الوقت الذي منح فيه دول المنطقة أملا بنهاية الحرب ، مع الإيحاء بأنّ إيران ترغب في الإتفاق معه بشروطه لا بشروطها ؛ التي أكدّها قاليباف .

لكنّ هذه النهاية ” مدعومة ؛ وتسير حتماً في مظلّة واشنطن ” وإن تمّت بوساطاتٍ ثنائيّةٍ أو جماعيّةٍ ؛ تُعفي ترمب من الصدام مع الأمم المتحدّة كمنظّمة أو أعضائها ، وكذلك مع دول العالم ، سيّما بعد الغضب من دول أوروبا ؛ بفعل رغبتها في أن تكون كندا عضواً منتسباً ، والذي اعتبره ترمب عملاً عدائيّاً هدّد معه بعقوبات .

يضمن ترمب بهذه التفاهمات الثنائيّة عزله عن متاعب جديدة ؛ لن يكون في وسعه تحمّلها فوق متاعب الداخل وضغط الأسعار ، التي راح يلوّح من أجل تخفيضها بإجراءاتٍ حاسمة قريباً .

بالعودة إلى مساعي ترمب لإلهاء إيران ومعها العالم ، ترى عسكريّتنا : أنّه قد لا يكون قطع إجازته المفاجئة أمراً بعيداً عن هدف كهذا ، وقد تكون حيلة ” مؤشّر البيتزا ” فاعلةً في إحداث ” خضّة ” إيرانيّة – خليجيّة –عالميّة ” بهذا الشأن ؛ يُمكنه من خلالها الحصول على ردّة فعل سريعة من عدّة أطراف ، بالطبع أهمّها التحرّك العسكري الإيراني ؛ الذي ينبغي له _ وفقاً للخطّة _ أن يقع في سقطة ، تسمح للجيش الأمريكي بالتسلّل عبر ” صدفة ” لطالما انتظر حلولها فجأة بغية الانقضاض الحاسم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى