
تحقيق: محمد مهدي
في شوارع القاهرة والمحافظات، لم تعد إعلانات “قرضك في 24 ساعة.. بصورة البطاقة فقط” مجرد دعاية، بل تحولت إلى شباك عنكبوت يصطاد البسطاء. شركات تطلق على نفسها “شركات تمويل استهلاكي” أو “تسهيلات مالية”، لكنها في حقيقتها تمارس الربا الصريح بفوائد مركبة تتجاوز 60% و 80% سنوياً.
كيف تعمل المنظومة؟
تبدأ الحكاية بقرض صغير 10 أو 20 ألف جنيه لسيدة تحتاج لتجهيز ابنتها أو شاب يريد فتح مشروع صغير. لا يطلبون ضمانات معقدة، فقط إيصال أمانة على بياض، وصورة بطاقة الزوج أو أحد الأقارب كضامن.
يقول “م. ع” – أحد ضحايا هذه الشركات في سوهاج: “أخذت 15 ألفاً، قالوا الفائدة 25%، لكن بعد 6 أشهر وجدت نفسي مطالباً بسداد 32 ألفاً، وعندما تأخرت شهراً واحداً، بدأت التهديدات بالحبس بإيصال الأمانة”.
الخدعة تكمن في طريقة الحساب. الشركات لا تحسب الفائدة على المبلغ المتبقي، بل على المبلغ الإجمالي طوال فترة السداد، بالإضافة إلى غرامات تأخير يومية، ومصاريف إدارية، وتأمين إجباري لا يشرحون تفاصيله.
*من هم الضحايا؟*
وفقاً لما رصده “البيان المصري”، فإن 70% من عملاء هذه الشركات من النساء المعيلات وشباب القرى الذين لا تصلهم خدمات البنوك الرسمية. تستغل الشركات حاجتهم وعدم وعيهم القانوني، وتجعلهم يوقعون على عقود من 10 صفحات مليئة بالبنود المجحفة التي لا يقرؤها أحد.
الوجه القانوني والديني:
قانوناً، يجرم القانون المصري الفائدة التي تتجاوز 7% في المعاملات المدنية وفقاً للمادة 227 من القانون المدني، لكن هذه الشركات تتحايل بالترخيص كشركات تمويل متناهي الصغر أو تقسيط سلع.
وشرعاً، الربا محرم بنص القرآن الكريم “وأحل الله البيع وحرم الربا”، ودور الإفتاء المصرية أكدت أن القروض التي تشترط فائدة محددة مقدماً هي ربا صريح.
خسائر اقتصادية واجتماعية:
النتيجة ليست مجرد أرقام. آلاف القضايا في المحاكم بعنوان “إيصالات أمانة”، سيدات غارمات في السجون، تفكك أسري بسبب الديون، ومشاريع صغيرة تفشل قبل أن تبدأ لأن صاحبها يعمل فقط لسداد الفائدة.
ما الحل؟
1. التوعية:حملات من البنك المركزي ووزارة التضامن لتعريف المواطنين بالفرق بين التمويل الرسمي والربا المقنع.
2. التشديد الرقابي: على الهيئة العامة للرقابة المالية مراجعة تراخيص هذه الشركات ونشر قائمة سوداء للشركات المخالفة.
3. البديل الحلال: التوسع في التمويل الإسلامي القائم على المرابحة والمشاركة، والتمويل متناهي الصغر من الجمعيات الأهلية المرخصة بفوائد لا تتجاوز 15%.
إن محاربة شركات الربا ليست محاربة لشركات فقط، بل هي حماية لنسيج المجتمع المصري من فخ يبدأ بـ “تمويل فوري” وينتهي ببيت مهدوم وسيدة في السجن.




